ما زال مصطلح العولمة من المصطلحات الغامضة التي لم تُحدد معالمه بدقة؛ على الرغم من كثرة الكتب والدراسات التي كتبت فيه، لكن مصطلح العولمة اقترن بمصطلح الأمركة، نظرا إلى التقدم التكنولوجي في مختلف مجالات الحياة الأمريكية وبطريقة أصبح الوجود الإنساني شديد التشابك والارتباط بما تصدره أمريكا.


والعولمة مذهب من عملية أمريكية تنخرط من خلالها الشعوب والدول عبر القارات والأقاليم في سلوك نمط من القيم الغربية الأمريكية، فأظهرت للوجود نوعا من المؤسسات المشتركة لم تكن معهودة من قبل، ولعل الطابع التكنولوجي والاقتصادي والإعلامي للعولمة زاد من تأثيرها الثقافي والاجتماعي والسياسي، فصارت الأرض كلها تقوم على مبادئ السوق والتبادل التجاري والإعلامي والتكنولوجي والثقافي والمعرفي، وانتهت بسببه كثير من المفاهيم المحلية لمفردات الحياة.


وقد أصبحت الحضارة الغربية من خلال العولمة هي قانون العصر المهيمن، فالغرب أتلف الرؤية الصحيحة للوجود وأتلف الفطرة النقية المبنية على تعبيد الناس لربهم والافتقار الاختياري إلى خالقهم، وكل ذلك بسبب الثقافة الغربية التي أخضعت كل شيء، وكل فكرة إلى مقاييس المادة واعتبارها المنهج العلمي الصحيح، فالتطور الهائل الذي عرفته العلوم الطبيعية والتكنولوجية قائم على الفكر المادي البحت، وصار الاعتقاد وأوامر الدين وفق النظرة المادية الوضعية من قبيل الشأن الشخصي الذي لا علاقة له بالواقع، وبالتالي فالعولمة منهج غربي مادي ينكر الغيب وما يتصل به من إيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره.


وترفض الحضارة الغربية وفق منهجها العلمي أي مصدر آخر للمعرفة خارج عن نطاق التجربة والمشاهدة، ولا يوجد هناك ما يسمى ثوابت مثل القيم والأخلاق، لأنها ليست أشياء يمكن تقديرها بالكم، فالصدق والمحبة والتواضع بما أنه لا يمكن وزنها ولا قياسها بالأرقام فهي في المفهوم الغربي شيء مفتعل وغير موجود، ولا ثمرة من ورائها.


لقد غدت الأخلاق بالمفهوم الغربي ذات طابع نفعي تجاري، فالرجل لا يكذب لأن سمعته تتأثر، فإذا لم تتأثر فلا بأس، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن التحلل من القيم الدينية صار موضة وعلامة على الحضارة الغربية التي هتكت الأستار وعرت الإنسان، وتجاوزت في إباحيتها كل وصف، وهذا الذي دفع كثيرا من الشباب إلى الانتحار بطرقه المختلفة، إما بالانغماس في عالم الرذيلة والمخدرات والفجور، وأصيبت الأسرة بالانهيار والتفكك، واختلت كل القيم الروحية التي تفتح أمام الإنسان أبواب الأمل في الحياة الكريمة التي يؤدي فيها العلة من وجوده.


وأما تحدي الفساد الكوني للعولمة فالإحصاءات تشير إلى التدهور الخطير الذي أحدثته هذه الثورة في الطاقة الإنتاجية للطبيعة فازداد التلوث لدرجة تهدد الجنس البشري، بل أصبح سائر الناس بدولهم مطالبين في نظام العولمة بتحمل تبعات التقدم الصناعي الغربي الذي يستفيد وحده من هذه العولمة، فالغابات بدأت تضمحل، وانخفض مستوى المسطحات المائية بصورة مفزعة، كما أن تكنولوجيا القتل الجديدة تهدد بقتل البشر وغيرهم من الكائنات الحية، وكذلك الأسلحة الكيميائية والبكتيرية الفيروسية، والنووية من أحدث تقنيات هذه التكنولوجيا القاتلة للحياة على كوكب الأرض، وإذا نظرنا إلى مخزون الولايات المتحدة وروسيا الذي يصل إلى مئة ألف سلاح نووي، تبلغ قوة كثير منها أكبر من القنبلتين اللتين ألقيتا على اليابان آلاف المرات، فإذا انفجر حتى جزء قليل منها فليس هناك احتمال أن يبقى على قيد الحياة أي كائن من الكائنات الثديية، كما سوف تقاسي الكائنات الأخرى من أضرار مرعبة، ولن يصبح العالم قابلا للحياة بالنسبة للجميع.