المذهب الوضعي مذهب فلسفي ملحد يرى أن المعرفة اليقينية هي معرفة الظواهر التي تقوم على الوقائع التجريبية، وينطوي على إنكار وجود معرفة تتجاوز التجربة الحسية، ولاسيما فيما يتعلق بالغيبيات، وقد تأسس المذهب الوضعي في فرنسا على يد الفيلسوف كونت (ت:1857م)، ومعظم من جاء بعده طبق منهجه في العلم والمعرفة، وقد نشر كتابه محاضرات في الفلسفة الوضعية، بسط فيه نظريته في المعرفة والعلوم، وقد نادى بضرورة قيام دين جديد هو الدين الوضعي يقوم على أساس عبادة الإنسان كفكرة تحل محل عبادة الله سبحانه وتعالى في الأديان السماوية.
ومن أبرز شخصيات هذا المذهب سان سيمون (ت:1813م) وهو فيلسوف فرنسي اشتراكي النزعة، جعل الوضعية مبنية على العلوم القائمة على الوقائع الخاضعة للملاحظة والتحليل، والعلوم التي لم تؤسس على هذا النحو يسميها العلوم الظنية، ومنهم وزكي نجيب محمود وهو مفكر عربي مصري، تبع الفلسفة الوضعية الملحدة، وتبنى أفكارها، وألف كتاب المنطق الوضعي.
وقد صاغ الفيلسوف الفرنسي كونت مبادئ وأفكار المذهب الوضعي، ثم بلور من جاء بعده من الوضعيين هذه الأفكار وسار على منهجها، وقد استحوذت على تفكير كونت فكرة التقدم الإنساني، ووضع كونت قانون التقدم الإنساني، وهو قانون الحالات الثلاث الذي يتقدم العقل البشري بمقتضاه من المرحلة اللاهوتية إلى المرحلة الميتافيزيقية ثم إلى المرحلة الوضعية الأخيرة. وقد قسم كونت المرحلة اللاهوتية إلى ثلاث مراحل، المرحلة الوثنية والمرحلة التعددية والمرحلة التوحيدية وهي المرحلة الأخيرة التي بدأت بظهور النصرانية والإسلام، أما المرحلة الوضعية بدأت بالثورة الفرنسية، وهي المرحلة التي تفسر الظواهر عن طريق الاستقرار القائم على الملاحظة، ويطبق كونت هذا القانون في التطور على جميع العلوم الإنسانية والاجتماعية مثل الحضارة والسياسة والفن والأخلاق.
وقد اعتبر فرنسيس بيكون 1626م نفسه داعية للعلوم الجديدة، وهي العلوم التي كانت في طريقها إلى الانفصال عن الفلسفة في القرنيين السادس عشر والسابع عشر الميلاديين، وربما عد بيكون بادئ الوضعية وواضع الاسم الذي سميت به في القرن التاسع عشر، ففي كتابه في المبادئ والأصول 1623م أطلق بيكون صفة وضعي على الحقائق الأولية التي يجب تقلبها إيمانا بصدق الخبرة. وقد كان بيكون موضع تقدير كبير من الفلاسفة التجريبيين في القرن التاسع عشر في كل من إنكلترا وفرنسا، وأصبحت كلمة وضعي تطلق على مناهج العلوم الطبيعية، نظرا لاعتماد هذه المناهج على الملاحظة واستخدمها للتجربة، وقد اقتبس كونت هذه الأفكار وأقام عليها نظريته وقانونه الوضعي.