الاستشراق هو القيام بالدراسات المختلفة عن الشرق الإسلامي والتي تشمل حضارته وأديانه وآدابه ولغاته وثقافته وأرضه، وما فيها من كنوز وخيرات وكل ما يتعلق بهم، فظاهره حركة علمية يراد بها دراسة لغة الشرق وتراثه، وفي حقيقة أمره تيار منظم لمواجهة الإسلام وتشويهه وصرف الناس عنه، وتمهيد لاستعمار النصارى للعالم الإسلامي، وخدمة للصهيونية العالمية، فالمستشرقون إلا ما شذ منهم لم يريدوا خدمة العلم بهذه الدراسة، ولم يكن لهم قصد حسن، أو نزاهة في البحث، بل كثير منهم قساوسة حاقدون على الإسلام وحضارة المسلمين، فهم أبعد ما يكون عن بيئة العلم والتجرد، أما من تجرد منهم للبحث العلمي فهم قليل جدا، وبعضهم كان منصفا ودفعه ذلك إلى إظهار الحقيقة، أو الدخول في الإسلام.
أما تاريخه فقد بدأ الاستشراق بعد فشل الحروب الصليبية وانتشار الحضارة الإسلامية الكبيرة خاصة في بلاد الأندلس، وبشكل رسمي بدأ الاستشراق حين صدور قرار مجمع فيينا الكنسي عام 1312م، وذلك بإنشاء عدد من كراسي اللغة العربية في عدد من الجامعات الأوربية، ولكنه بدأ قبل ذلك بصورة فردية، وقد نبغ في هذه الفترة عدد من علماء الغرب في الاستشراق، وأصدروا لذلك المجلات في كثير من البلاد، وأغاروا على المخطوطات العربية، وسرقوا كثيرا منها، وفي الربع الأخير من القرن التاسع عشر عقد أول مؤتمر للمستشرقين في باريس عام 1873م وتوالى عقد المؤتمرات التي تلقى فيها الدراسات عن الشرق وأديانه وحضاراته.
ولم يقف الاستشراق عند حد الغرب النصراني، بل إن الشرق الشيوعي أيضا قد شكل جمعية للمستشرقين تحت عنوان رابطة تحرير الشرق أسسها عام 1920م واعتبرها مدرسة علمية لتخريج الطلائع المبشرة بالشيوعية في العالم الإسلامي، ولم يقتصر الاستشراق على الغرب النصراني والشرق الشيوعي فقط، بل إن اليهود وجدوا فيه بابا هاما من أبواب السيطرة على البلاد التي يحلمون بها، فتخصص فريق منهم بالدراسات الشرقية، وتابعوا المسيرة ضمن الدراسات الشرقية في الجامعات الكبرى.
وأما أهداف الاستشراق فالهدف الديني يأتي على رأس أهداف الاستشراق ودوافعه، وهذا واضح لا يحتاج إلى برهان، فطلائع المستشرقين كانوا من الرهبان والقساوسة الحاقدين على الإسلام، كما أن العلاقة بين الغرب والإسلام قائمة على صراع ديني، ظهر واضحا أثناء الحروب الصليبية التي امتدت قرنين من الزمان، وقد سلكوا طرقا متعددة لتحقيق هذا الهدف، تتمثل في التشكيك في صحة رسالة النبي صل الله عليه وسلم والقرآن والطعن فيه، حتى ينصرف الناس عنه، والتشكيك في صحة الحديث.
 ومن أهدافهم الدعوة إلى التنصير، وقد بدأ الاستشراق بالرهبان والقساوسة، وكانت دوافعهم واحدة، وتتلخص في انصراف المسلمين عن دينهم ومحاولة إدخالهم في النصرانية، أو بقائهم بلا دين، وكان من أهداف الاستشراق الهدف التجاري، وهو من الدوافع التي شجعت الغربيين على دراسة علوم الشرق، خاصة قبل الاستعمار الغربي لبلاد المسلمين حتى يتمكنوا من استغلال خيرات العالم الإسلامي، ويحصلوا منهم على المواد الأولية التي يستخدمونها في صناعتهم بأبخس الأثمان، ثم تكون بعد ذلك بلاد الشرق الإسلامي سوقا واسعا لترويج بضاعتهم بأغلى الأسعار.
ومن أهداف الاستشراق الهدف السياسي الاستعماري، وقد دعت الحاجة إلى هذا الهدف حينما أراد الاستعمار الغربي غزو بلاد المسلمين واحتلال أراضيهم، وكان الاستشراق هو الممهد لهذا الأمر بعد دراسة حاجة البلاد الإسلامية والوقوف على نقاط الضعف فيها، ولما تم لهم الاستيلاء العسكري قاموا بإضعاف المقاومة الروحية والمعنوية في نفوس المسلمين.
وقد سلك المستشرقون وسائل مختلفة وأساليب متنوعة لتحقيق أهدافهم السابقة، منها تأليف الكتب في موضوعات مختلفة عن الإسلام واتجاهاته والطعن في رسوله صل الله عليه وسلم، والقرآن الذي نزل عليه، وفيها كثير من التحريف المتعمد والطعن في هذا الدين، ومن هذه الكتب كتاب حياة محمد لوليم مور، وكتاب الإسلام لزويمر، ودائرة المعارف الإسلامية وهي معجم ألفه المستشرقون لخدمة اليهودية والنصرانية، لم يتركوا شيئا من عقائد الإسلام ولا شرائعه إلا وصوروه لقرائهم بما يخالف الصورة الصحيحة في كثير من الوجوه، وفي هذه الدائرة كثير من العيوب العلمية والتاريخية المغرضة، وكانت هذه الكتب بما فيها من تحريف متعمد لحقائق الإسلام من أخطر الوسائل، خاصة وأنه اقتنع بما فيها كثير من الغربيين فصرفتهم عن الإسلام وشوهت صورته أمامهم.
ومن آثارهم نشر إرساليات التنصير في العالم الإسلامي لتزاول أعمالا إنسانية في الظاهر كالعمل بالمستشفيات والخدمات الاجتماعية وغيرها، ثم يقومون بتحقيق أهداف الاستشراق إلى جانب التنصير، وكذلك عقد الندوات والمؤتمرات وإلقاء المحاضرات في الجامعات والجمعيات العلمية، ومن المؤسف أن أشدهم خطرا وعداءً للإسلام كانوا يُسْتدعوْن إلى الجامعات العربية الإسلامية في بعض البلاد ليتحدثوا عن الإسلام، فيجلس أبناء المسلمين ليتعلموا إسلامهم وأدبهم من اليهود والنصارى، بل فيهم ملاحدة لا يؤمنون بالله، وفي هذه الندوات ولقاءات التحاور يستدرجون بعض المسلمين حتى يساير المفاهيم الغربية.
وهم يخططون منذ أمد بعيد برعاية الهيئات والجامعات والمؤسسات العالمية النصرانية لاكتساح العالم الإسلامي والقضاء عليه، ويتمركزون بصورة خاصة في أندونيسيا وماليزيا وبنجلاديش وباكستان، وفي بلدان أفريقيا بصورة عامة، كما أنهم نجحوا في تنصير أربعة أخماس الفلبين، كما نجحوا في محو المعالم الإسلامية في سنغافورة.
وقد كانت هناك خطة موضوعة لإزالة الإسلام من أفريقيا مع نهاية القرن العشرين، ويشرف على هذه الخطة بابا الفاتيكان الذي يتابع بنفسه مدى نجاح الخطة المرسومة، ولكن الله ضيع جهودهم، وباءوا بالخسران، وأصابهم الفشل في كثير من أعمالهم ( ).