نقطة التحول الفاصلة في حياة النصرانية وكيدهم للأمة الإسلامية، جلس لويس التاسع مع نفسه في سجنه يحلل تاريخ الصراع بين المسلمين وأعدائهم تحليلا منطقيا، فوجد النصارى منذ سبعة قرون في تدهور مستمر، وهزائم متوالية في حربهم مع العرب، ينهزمون في كل مرة بصورة تدهش العقول وتثير العجب، فالعرب في كل معركة ينتصرون بعدد قليل وحماس كبير فما السبب؟ فوصل إلى حيثيات أكيدة، وأحكم للمسلمين المكيدة، وأيقن أن السبب في نصرهم هو التزامهم بدينهم وإسلامهم، أما ذواتهم وأشخاصهم فهم بشر لا يزيدون عن الآخرين في الحجم والصور، ومن ثم توصل إلى حقيقية يقينية أساسها؛ أنه لا بد لانتصار النصارى على المسلمين أن نفصل بينهم وبين إسلامهم أولا، ونحدث فجوة بينهم وبين عقيدتهم في ربهم، فنزرع فيها الشهوات والشبهات، ونخلع عن أبدانهم لباس الإيمان والطاعات، حتى يستووا معنا في الهيئات، عندها وفقط يتمكن النصارى من كسرهم وإخضاعهم، واستعبادهم وتقطيع أوصالهم.
وقرر أنه لا بد من دراسة هذه الديانة التي هي سبب نصرهم، ولا بد للجهد النصراني أن يتحول إلى غزو فكري يحقق هذا الهدف، فأحسن لويس التاسع التحليل والتفسير، وأحكم الخطة والمكر والتدبير منذ أكثر من سبعة قرون مضت، والآن يقطف النصارى ثمارها، والمسلمون يشعرون بآثارها، بل يمكن أن نفسر من خلالها أحداث العالم التي تدور من حولنا، وحال المسلمين المشين إنما هو نتيجة مباشرة لخطة الغزو الفكري الذي يتكاتف فيه الجهد النصراني مع الخبث اليهودي.
لقد قرر لويس التاسع ملك فرنسا في وثيقة محفوظة في دار الوثائق القومية في باريس أنه لا يمكن الانتصار على المسلمين من خلال حرب، وإنما يمكن الانتصار عليهم بواسطة السياسة بإتباع ما يلي:
1-إشاعة الفرقة بين قادة المسلمين، وإذا حدثت فليعمل على توسيع شقتها ما أمكن حتى يكون هذا الخلاف عاملا في إضعاف المسلمين.
2-عدم تمكين البلاد الإسلامية والعربية أن يقوم فيها حكم صالح.
3-إفساد أنظمة الحكم في البلاد الإسلامية بالرشوة والفساد والنساء حتى تنفصل القاعدة عن القمة.
4-الحيلولة دون قيام جيش مؤمن بحق يضحي في سبيل مبادئه.
5-العمل على الحيلولة دون قيام وحدة عربية في المنطقة.
6-العمل على قيام دولة غربية في المنطقة العربية تمتد ما بين غزة جنوبا وأنطاكية شمالا، ثم تتجه شرقا وتمتد حتى تصل إلى الغرب.
ويخطئ من يظن أن الغزو الفكر إنما هو مصطلح عصري نشأ في القرن العشرين، لأن الملك لويس النصراني في بنود وثيقته زرع الفكرة وخطط لها بإتقان، وعمل الغرب الصليبي على تنفيذها من زمنه حتى الآن، ويمكن النظر والمقارنة بين ما جاء في وثيقته وما يحدث للمسلمين في العقود الماضية والحاضرة، ليجد ما خطط له واقعا مشهودا.