لقد كانت دعوة الإسلام في أعين أعدائها عند مبعث النبي صل الله عليه وسلم تمثل ثورة من قبل العرب للخروج من أرض قحطاء جدباء، قليلة الزرع والماء إلى أرض المروج والأنهار والخيرات والثمار في فارس والروم، هذه رؤيتهم للإسلام في بدايته، لم ينظروا إليه بعين سليمة تتعرف على حقيقته وسمو دعوته، وإنما نظروا إليه نظرة دنيوية مادية ضيقة بنوا عليها تصورهم، وأساس حربهم.
ثم فوجئوا بالمسلمين ينتصرون عليهم، ويحالفهم في كل مرة نصر كبير بعدد قليل، وثبات لم يعهدوا له مثيل، ورغبة في الموت والشهادة أكبر من رغبة أعدائهم في الحياة، فهالهم الأمر وأفزعهم، ولم يتمكنوا من ضبطه على الصورة التي رسموها في أذهانهم للعرب، بأنهم قوم همج ورعاع، وبدو جياع، يريدون الغزو والقتال من أجل المال والمتاع، والاستحواذ على خيرات الفرس والروم.
ومن المعلوم أن أخبار المعارك التي نصر الله فيها المسلمين على عدوهم كانت تنتشر في العالم كله أيام الخلفاء الراشدين وبعدهم، يسمعون عن أبي عبيدة بن الجراح، وسعد بن أبي وقاص، وخالد بن الوليد وغيرهم في أكثر من ثلاثين معركة، حتى أصبح خالد بن الوليد في نفوس النصارى صورة أسطورية خيالية مرعبة، يخوفون بها أولادهم عند نومهم، ويعلمونهم أن قدوم خالد يعني موتا محققا وهلاكا محتوما.
ازداد النصارى غيظا وبغضا لهذا الدين، كيف يواجهون المسلمين ويقضون عليهم؟ لم يدركوا وقتها طبيعتهم، فظنوا أن كثرة العدد والعدة تحقق لهم النصر والغلبة، فكونوا في كثير من المعارك جيوشا ضخمة، لكن المعركة الفاصلة بين المسلمين والنصارى هي التي تجسدت يوم اليرموك، حيث كان عدد المسلمين قرابة الأربعين ألفا أو الخمسين، وعدد النصارى يقارب الربع مليون، وقيل مليون، فكانت النسبة تمثل السدس أو العشر تقريبا، وبالرغم من ذلك مكن الله لأمة الإسلام، ونصرهم على عدوهم، وجعل النصارى صرعي في أغوار الأردن.
كيف تمكن هذا العدد القليل من إحراز هذا النصر الكبير؟ بعث ذلك في المجتمع الغربي الحيرة والجنون، وازدادوا حنقا وحقدا وغيظا وكمدا، ولا حيلة لهم إلا معاودة الكرة ولو بعد حين، وقد تهيأت لهم أيام واقعة الجمل وواقعة صفين الأسباب المواتية للانقضاض على المسلمين، لكن النصارى انكسرت شوكتهم آنذاك، وبلغت قوتهم من الضعف والهذيان بحث تبقي ساكنة بلا حراك أربعة قرون من الزمان، حتى تمكنوا بالفعل من تجميع أكبر عدد ممكن من جندهم للقضاء على أمة الإسلام، فبلغت جيوشهم أكثر من ستمائة ألف مقاتل أيام السلطان ألب أرسلان زمن الدولة العباسية ( ).
 جمع النصارى هذا العدد الضخم، وعلى الرغم من حالة الضعف والانقسام والتناحر والخصام الذي كانت عليه أمة الإسلام إلا أن المسلمين أدركوا أن العلة في نصرهم لا تكمن في كثرة عدتهم أو عددهم، وإنما تكمن في إيمانهم وإخلاصهم واستعانتهم بالله، وكانوا قد طلبوا الهدنة من قائد النصارى أرمانوس فأبى وتكبر، فاستفتوا في حالهم أهل العلم، فقالوا لهم: إنكم لا تنتصرون بقوتكم، ولكن بفضل الله وإيمانكم به.
وأشار أهل العلم أن يكتبوا دعاءا موحدا يوزع على المساجد في جميع البلاد الإسلامية، وأن يقف الشيوخ الكبار والنساء والأطفال ليستعينوا بالله تعالى ساعة الإجابة في يوم الجمعة، ويتحرك المسلمون ليباغتوا النصارى بالهجوم، وكان عدد المسلمين ستين ألفا، بنسبة الواحد إلى العشرة، وقيل أكثر من ذلك، وفي يومها تجرد السلطان لله وخلع ثوب الإمارة ولبس كفنه، وقال: لست اليوم أميرا إلا أن ينصرنا الله تعالى، فلما أخلصوا ووحدوا واستعانوا سحقوا النصارى وأسروا ملكهم، وهذه المعركة تسمى ملازكرد، ولم تنل حظها من الشهرة في التاريخ كما نالته القادسية واليرموك مع أنها من أفضل المعارك التي مرت في تاريخ الأمة الإسلامية .
ازداد النصارى في الغرب غيظا وجهلا بطبيعة هذا الدين فعادوا إلى أوربا، وجمعوا كيدهم وحقدهم في إعلان كليرمونت الذي ألقي فيه بابا روما أوربيان الثاني خطابه الشهير في النصارى ليثير حفيظتهم ضد المسلمين في تجهيز الحروب الصليبية، ووعد من يشترك بالغفران الكامل؛ فأعدوا العدة وتتدفقوا على العالم الإسلامي واتسم غزوهم بروح التعصب والانتقام.
وقد كان المسلمون وقتها متناحرين متنازعين منقسمين إلى دويلات صغيرة هجرت دينها ومصدر عزها، فتمكن النصارى بالفعل من استباحة حرمة المسلمين والاستيلاء على القدس ثالث الحرمين، وصبوا حقدهم، وأفرغوا كيدهم في الانتقام والتشفي في المسلمين، كما ذكر الراهب روبرت أحد الصليبين المتعصبين، وهو شاهد عيان لما حدث في بيت المقدس واصفا سلوك قومه: (كان قومنا يجيبون الشوارع والميادين وسطوح البيوت ليرووا غليلهم من التقتيل، وذلك كاللبؤات التي خطفت صغارها، كانوا يذبحون الأولاد والشباب ويقطعونهم إربا إربا، وكانوا يشنقون أناسا كثيرين بحبل واحد بغية السرعة، وكان قومنا يقبضون على كل شيء يجدونه، فيبقروا بطون الموتى ليخرجوا منها قطعا ذهبية، فيا للشره وحب الذهب، وكانت الدماء تسيل كالأنهار في طرق المدينة المغطاة بالجثث) ( ).
لقد ظن النصارى أن أمة الإسلام كتب عليها الفناء، وأنها لن تقوم لها قائمة، ولكن الله تعالى خيب ظنهم، فقد كتب لهذا الدين البقاء وأزاح عنه النفوس الظالمة، فبعد قرنين من الزمان انتهت الحملات الصليبية بمعركة حطين على يد القائد الأيوبي صلاح الدين الذي نصر الله به المسلمين، فازداد غيظ النصارى وتراكم حقدهم، وأرسلوا حملة أخرى فجاءت جيوشهم الصليبية بقيادة الملك لويس التاسع، ودخلت إلى البلاد الإسلامية من دمياط في مصر، وهزم في المنصورة شر هزيمة، وأسر في دار بن لقمان ( ).