دل الكتاب المقدس على المعنى اللغوي الربوبية وليس على معنى الأبوة التي فهمها القساوسة فالرب يراد به السّيِّد المدبّر الحاكم والمربِّي والقائد الموجه؛ فرب الإبل ورب الدار؛ أي مالكها ومدبرها وحاكمها وسيدها، وهذا يصدق على المخلوق ويصدق على الخالق، وقد ضل النصارى في معنى قولهم: الرب يسوع، لأن المقصود به في لغة من ترجم الكتاب المقدس السيد الموصوف بالسيادة والقيادة لبني إسرائيل، فهو موجه لهم ومدبر لشئونهم بالروح القدس، وحاكم فيهم بكلمة الله، ومربيهم على طاعة ربه، وحامل رايتهم إلى سبل السلام، وليس عيسى عليه السلام ربا موصوفا بخصائص الربوبية التي انفرد بها الرب الخالق العلي الذي فوق السماء الإله العلي المتعالي جِدًّا، القُدُّوس القادِرُ على كل شيْءٍ، الذي يُغيِّرُ الأوْقات والأزْمنة، ويعْزِل ملوكا، ويُنصِّبُ ملوكا، ويُعْطي الحُكماء حِكمةً، ويُعلم العارِفِين فهْما، وله كل ما فِي السّموات والأرْضِ.

وقد ورد بالدليل القاطع في الكتاب المقدس عندهم أن اسم يسوع ليس اسما من أسماء الله الحسنى، ولا الابن، ولا الأب، ولا الروح القدس، وأن مصطلح الأب في جميع نصوصه التي ورد فيها في الكتاب المقدس يطلق في الأصل على الإنسان، ولو ذكر في حق الله الرب الأعلى الإله فإنه يقال من باب قياس الأوْلى وإضافة اسم المخلوق لخالقه لإدراك معنى الرعاية والإحاطة بكل معانيها من حفظ ومعية وتدبير، وحكمة وهداية وتقدير.

وكذلك مصطلح الابن في الكتاب المقدس يطلق في الأصل على الذكر من ولد الإنسان، ولو ذكر في حق الرب الإله الأعلى فإنه يقال من باب قياس الأوْلى لإدراك معنى الولاية الخاصة لأحباب الله وخاصته من الأنبياء والأولياء والمؤمنين الصالحين وسائر عباده المقربين، وهو مثل بلاغي تقريبي لبيان أن مقدار الولاية والمحبة أعظم من محبة الأب لابنه، وأعظم من ولايته له بكل أنواع الإحاطة والرعاية من باب قياس الأولى، وجميع الشواهد المذكورة في الكتاب المقدس في ذكر البنوة تدل جميعها على أن المقصود بأبناء الله في النصوص هم أهل الإيمان الأتقياء الأصفياء أتباع الرسل والأنبياء، وأن البنوة المعنية في الكتاب المقدس ليست مقصورة على شخص بعينه سواء كان نبيا، أو وليا ، أو فردا مؤمنا، بل يراد بها ولاية العبودية والتأدب بمنهج الله وأحكامه الشرعية، وأنها ليست بنوة ولادة عن الله انفصلت فيها ذات الابن عن ذات الأب كإقنوم خرج منفصلا عن أقنوم، أو أقنوم ناسوتي انفصل عن أقنوم لاهوتي، فهذا من سوء الفهم وضلال العقل لدى الكتبة والمترجمين .

وقد ورد في الكتاب المقدس أن يعقوب عليه السلام وبنيه أو بني إسرائيل هم أبناء الله وأحباؤه، وتلك البنوة بمعنى الرعاية والمعية الخاصة لمن وحد الله وصدّق ربه في باب الخبر، وأطاعه فيما أمر، وليست بنوة ولادة وأقانيم منفصلة، وكذلك ورد أن سليمان هو ابن الله أيضا كما أن يسوع هو ابن لله، وأن الله أب لسليمان كما أن الله أب ليسوع، ومن فرق بينهما فقد فرق بين متماثلين كانا يأكلان الطعام، فعلم أن البنوة التي وردت في نصوص الكتاب المقدس بأسرها هي في أصلها تعبير بلاغي فهمه من فهمه على غير ما هو في أصل اللغة التي نزل بها الكتاب المقدس، وذلك يعد من أخطاء المترجمين، وهي ليست أبدا بنوة ولادة يأخذ فيه المولود خصائص أزلية أبدية كخصائص الذات الإلهية.

وكذلك فإن المراد بالروح القدس في الكتاب المقدس هو الملك الذي ينزل بالوحي من السماء، وينقل كلمة الله وأوامره بدقة وأمانة إلى الرسل والأنبياء، ويتولى تنفيذ ما أمر الله به في بعض خلقه الأصفياء، وجميع النصوص في الكتاب المقدس تدل على أن الروح القدس ليس هو الله، وليس اسما من أسماء الله، وقد بينا الأدلة في ذلك مفصلة.

إن التعميد باسم الآب والابن والروح القدس كان يمثل في الأصل الإيمان بالله وملائكته وما أنزلته من كتب الله على رسله، وقولهم: باسم الآب والابن والروح القدس، إنما هو كقول القائل في خطابه: باسم الشعب وباسم الوطن وباسم الأمة، وهو يعني أنه يتكلم بالنيابة عنهم وينقل للآخرين مرادهم، ويبين للجميع توجههم، ومن ثم فإن التعميد الذي ورد في إنجيل متى في الدعوة لأتباع عيسى عليه السلام أن يذهبُوا ويتلمذوا جميع الأُمم، ويعمدُوهُم باسْم الآب والاِبْن والرُّوحِ القُدُس إنما هو النطق بشهادة العبودية الحق وعبادة المعبود بحق من خلال الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، وكان تعميده يعني أن يشهد الإنسان أنه عقد في قلبه عقدا يعظم فيها ربه تعظيما يدفعه إلى تصديق خبره وتنفيذ أمره عن محبة وإخلاص، ومتابعة للرسل والأنبياء الذين جاءوا بكلمة الله وكتبه المقدسة، والدعوة إلى كلمة الله التي بين فيها أمور الجزاء والحساب في اليوم الآخر كحجة عليهم نقلها إليهم ولي الله وكلمته وصفيه وحبيبه ونبيه وعبده ورسوله عيسى عليه السلام، ونقلها عيسى عن الروح القدس أو سيد نقلة الوحي من الملائكة وهو جبرائيل، ونقلها روح القدس عن الله.

وليس المقصود باسم الأب والابن والروح القدس التثليث الذي يزعم فيه القساوسة أن الله ثالث ثلاثة، أو أنه ذات مثلثة الصفات، هكذا عند الإنصاف والتجرد يفهم العقلاء حقا المراد بمعنى اسم الأب، واسم الابن، واسم الروح القدس في قول الكتاب المقدس عند النصارى: (فاذهبُوا إذن، وتلمذوا جميع الأُمم، وعمدُوهُم باسْم الآب والابْن والرُّوحِ القُدُسِ) متى28/19.