ذكر ابن القيم أن النصارى يعتقدون أن رب السموات والأرض تبارك وتعالى نزل عن كرسي عظمته وعرشه ودخل في فرج امرأة تأكل وتشرب وتبول وتتغوط وتحيض فالتحم ببطنها، وأقام هناك تسعة أشهر بين البول ودم الطمث، ثم خرج منها يصرخ، وكلما بكى ألقمته أمه ثديها، ثم انتقل إلى المكتب بين الصبيان، ثم آل أمره إلى لطم اليهود لخديه، وصفعهم قفاه، وبصقهم في وجهه، ووضعهم الشوك على رأسه استخفافا به، وانتهاكا لحرمته، ثم قربوه من مركب فشدوه عليه، وربطوه بالحبال وسمروا يديه ورجليه، وهو يصيح ويبكي ويستغيث من حر الحديد، وألم الصلب.

ومع هذا كله يتولى تدبير السماوات والأرض، وقسم الأرزاق والآجال، ولكن اقتضت حكمته ورحمته أن يمكن أعداءه من نفسه لينالوا منه ما نالوا، فيستحقوا بذلك العذاب والسجن في الجحيم، ويفدي أنبياءه ورسله وأولياءه بنفسه، فيخرجهم من سجن إبليس، فإن روح آدم وإبراهيم ونوح وسائر النبيين عندهم كانت في سجن إبليس حتى خلصها من سجنه بتمكينه أعداءه من صلبه.

وأما قولهم في مريم فإنهم يقولون إنها أم المسيح ابن الله في الحقيقة، ووالدته في الحقيقة، لا أم لابن الله إلا هي، ولا والدة له غيرها، ولا أب لابنها إلا الله، ولا ولد له سواه، وأن الله اختارها لنفسه، ولولادة ولده وابنه من بين سائر النساء، ولو كانت كسائر النساء لما ولدت إلا عن وطء الرجال لها، ولكن اختصت عن النساء بأنها حبلت بابن الله وولدت ابنه الذي لا ابن له في الحقيقة غيره، ولا والد له سواه، وأنها على العرش جالسة عن يسار الرب تبارك وتعالى، والد ابنها، وابنها عن يمينه.

والنصارى يدعونها ويسألونها سعة الرزق، وصحة البدن، وطول العمر، ومغفرة الذنوب، وأن تكون لهم عند ابنها ووالده الذي يعتقد عامتهم أنه زوجها، ولا ينكرون ذلك عليهم، ويقولون في دعائهم: يا والدة الإله اشفعي لنا، وهم يعظمونها ويرفعونها على الملائكة وعلى جميع النبيين والمرسلين، ويسألونها ما يسأل الإله من العافية والرزق والمغفرة.

والراهب والقسيس يغفر ذنوبهم، ويطيب لهم نسائهم، وليس عند النصارى على من زنا أو لاط أو سكر حد في الدنيا أبدا، ولا عذاب في الآخرة، لأن القس والراهب يغفره لهم، فكلما أذنب أحدهم ذنبا أهدى للقس هدية، أو أعطاه درهما، أو غيره ليغفر له به، وإذا زنت امرأة أحدهم بيتها عند القس ليعاشرها فتطيب له، فإذا انصرفت من عنده وأخبرت زوجها أن القس طيبها قبل ذلك منها، وتبرك به