أولا: فقدان الإنجيل الأصلي، فقد جاء المسيح عليه السلام بإنجيل كتب باللغة الآرامية، فأين هو هذا الإنجيل؟ إن العالم كله بجميع كنائسه وبكل مذاهب النصرانية فيه لا يملك نسخة واحدة من هذا الإنجيل، إنجيل المسيح عليه السلام، والذي لدى كل الكنائس المسيحية هي أناجيل لا يُنسب واحد منها إلى المسيح، وإنما هي سير وقصص كتبها كتاب متعددون ومختلفون، ودونوا فيها ما سمعه كل واحد منهم عن ظهور المسيح، وما تحدث به، وما حدث له. من هنا فإن الإنجيل الذي جاء به المسيح والذي تحدث عنه القرآن الكريم باعتباره ذكرا أنزله الله، وفيه هدى ونور، والذي يطلب من النصارى أن يقيموا أحكامه، هذا الإنجيل لا وجود له لدى أي كنيسة من كنائس النصرانية، ولا لدى أي نصراني في هذا العالم.

ثانيا: أن الأناجيل الأربعة المشهورة والمعتمدة لدى الكنائس النصرانية الكبرى المعاصرة، اثنان منها كتبهما اثنان من الجيل التالي لجيل المسيح أي من تابعي أصحاب المسيح، فمرقس تلميذ لبطرس الحواري، ولوقا تلميذ لبولس فليسا شاهدين على ما كتبا! والإنجيل الثالث إنجيل يوحنا الذي تفرد بتأليه المسيح ترجح الدراسات المستندة إلى النقد الداخلي لنصوصه أنه قد كتب بواسطة يوحنا آخر غير يوحنا الحواري في نهاية القرن الأول الميلادي، فنحن أمام ثلاثة أناجيل من أربعة لا علاقة لها بعصر المسيح!

ثالثا: أن هذه الأناجيل قد انتقلت نصوصها وتغيرت ألفاظها مرات عديدة بالترجمات إلى العديد من اللغات، الأمر الذي باعد بين ألفاظها في هذه الترجمات وبين أصولها بعدا شديدا، وإذا كانت الترجمة مهما بلغت دقتها إنما تمثل نوعا من الحكاية عن النص الأصلي وخاصة عندما يكون النص ذا طابع شعري أو وعظي أو صوفي تكثر فيه المجازات والكنايات والاستعارات والتشبيهات كما هو حال هذه الأناجيل، فمن ذا الذي يجرؤ على الحديث عن انتفاء التحريفات والتغييرات التي أصابت هذه الأناجيل؟ وإذا كانت الأناجيل قد مرت بمئات التغييرات في الألفاظ ومن ثم في المعاني عندما ترجمت مئات الترجمات إلى مئات اللغات الأمر الذي يفتح الباب لدراسات مقارنة لهذه الاختلافات في ألفاظها ومعانيها.

رابعا: إننا إذا نظرنا في افتتاحية إنجيل لوقا الإصحاح الأول، فنقرأ قول لوقا تلميذ بولس: (إذا كان كثيرون قد أخذوا بتأليف قصة في الأمور المتيقنة عندنا، كما سلمها إلينا الذين كانوا منذ البدء معاينين وخداما للكلمة، رأيت أنا أيضا إذ قد تتبعت كل شئ من الأول بتدقيق أن أكتب على التوالي إليك أيها العزيز ثاوفليس، لتعرف صحة الكلام الذي علمت به) لوقا1/4. فنحن أمام نص يقول لنا إن كثيرين وليسوا أربعة فقط قد ألفوا أناجيل كثيرة هي قصص، ولوقا هذا قد كتب قصة إنجيله ليصحح الكلام الذي كتبه الكثيرون من كتّاب الأناجيل الكثيرة!. ادعى أنه هو الذي تتبع كل شئ من الأول بتدقيق رغم أنه من التابعين وليس من تلامذة المسيح عليه السلام!

وإذا كان كلام الله الذي يستحق هذا الوصف لابد أن يكون وحيا مباشرا ولا يدخل فيه التأليف البشري والإبداع الإنساني، فإن هذه الأناجيل التي كتبها بشر، والتي حفلت بالعديد من الاختلافات والتناقضات لا يمكن أن تكون وحيا إلهيا، وإلا لجاز لنا في الإسلام أن نطلق وصف الوحي وكلام الله على آلاف الكتب التي ألفت في سيرة رسولنا عليه الصلاة والسلام.

خامسا: من الأدلة على تحريف الأناجيل الاختلافات والتحريفات والتناقضات وحتى الشكوك في حقيقة كُتاب الأناجيل فلقد جاء في دائرة المعارف البريطانية، وهي أوثق وأشهر دوائر المعارف في العالم المسيحي جاء عن هذه الأناجيل الأربعة، إن كون متى هو مؤلف هذا الإنجيل أمر مشكوك فيه، وإنجيل مرقس في أفضل المخطوطات، تعتبر بعض الأسفار إضافات متأخرة والأعداد الأخيرة فيه غير موجودة في بعض المخطوطات، وإنجيل لوقا تقول عنه الموسوعة البريطانية إن مؤلف هذا الإنجيل يظل مجهولا، إنجيل يوحنا هو الإنجيل الوحيد الذي ينص على إلوهية عيسى وهذا يعارض الأناجيل الأخرى.

سادسا: أن الأصول الأولى لكل الأناجيل المشهورة والمعتمدة عند الكنائس المسيحية قد فقدت، وأقدم المخطوطات لهذا الأناجيل الحالية يفصل بينها وبين المسيح وعصر من نسبت إليهم هذه الأناجيل ما يقرب من ثلاثمائة عام، وبشهادة الموسوعة البريطانية: فإن جميع النسخ الأصلية للعهد الجديد التي كتبت بأيدي مؤلفيها الأصليين قد اختفت، وأن هناك فاصلا زمنيا لا يقل عن مائتين أو ثلاثمائة سنة بين أحداث العهد الجديد وتاريخ كتابة مخطوطاته الموجودة حاليا ( ).

سابعا: إذا كان فقد المخطوطات الأصلية للأناجيل واختفائها ووجود فجوة زمنية تبلغ مئات السنين بين الأصول الأولى وبين المخطوطات التي أخذت عنها هذه الأناجيل الحالية لا يكفي دليلا للتحريف عند النصارى، فإن هناك أكثر من مائة وخمسين ألفا من مواضع الاختلاف بين المخطوطات التي طبعت منها الأناجيل المتداولة الآن، وهذه الاختلافات ليست بين مخطوطات الأناجيل المختلفة فقط، بل في مخطوطات الإنجيل الواحد، وبنص عبارة الموسوعة البريطانية: فإن جميع نسخ الكتاب المقدس قبل عصر الطباعة تظهر اختلافات في النصوص، وإن مقتبسات آباء الكنيسة من كتب العهد الجديد والتي تغطيه تقريبا، تظهر أكثر من مائة وخمسين ألفا من الاختلافات بين النصوص( ).