مؤسس المسيحية بشكلها الحالي المبني على الوثنية هو بولس اليهودي الذي أثر هائل في تحريف ديانة النصارى، وإن كانوا يرونه أهم من كل كتابهم ومفكريهم، وذو رأي معتبر بين جميع طوائف النصارى المنتشرة في جميع أنحاء العالم، فهو عندهم أهم الإنجيليين على الإطلاق، وقد سافر إلى أماكن عدة يبشر بالنصرانية وينشر أفكاره بين غير اليهود حتى عُرف بين اللاهوتيين باسم رسول الأمم.

ولد بولس لأبوين يهوديين في مدينة طرسوس في آسيا الصغرى أو تركيا القديمة في العام الرابع للميلاد تقريبا، ونشأ فيها من أصل عبراني خالص، وكان اسمه فيما مضى شاؤول، ثم سمى نفسه بعد تنصره بولس، وتذكر كذلك أغلب المصادر أنه كان متعصبا لليهودية، ذو غيرة على دينه أكثر من كل أقرانه اليهود، ولا تذكر المصادر النصرانية التقاء بولس بالمسيح عليه السلام على الرغم من أن بولس كان من معاصريه عليه السلام. وأول ذكر لبولس فيما يتصل بالنصرانية هو شهوده محاكمة وقتل استفانوس أحد تلاميذ المسيح عام 37م، ويذكر بولس أنه كان راضيا عن قتله، فقد كان يهوديا معاديا للنصرانية، بل وكان يشارك في تعذيب النصارى الأوائل فكان يسطو على الكنيسة، ويدخل البيوت ويجرّ رجالا ونساء، ويسلّمهم إلى السّجن.

ويذكر سفر أعمال الرسل أيضا تنصر بولس المفاجئ وانقلابه دون مقدمات ولا تمهيدات بعد أن رأى المسيح عليه السلام بعد رفعه بسنوات، فزعم أنه بينما هو ذاهب إلى دمشق في مهمة لرؤساء الكهنة اليهود قد تجلى له المسيح عليه السلام وحده دون القافلة التي كان يسير معها، فأبرق حوله نور من السماء، فسقط على الأرض وسمع صوتا قائلا له: شاؤل لماذا تضطهدني؟ فقال: من أنت يا سيد، فقال الرب: أنا يسوع الذي أنت تضطهده، فقال وهو مرتعد ومتحير: يا رب ماذا تريد أن أفعل؟ فقال له الرب: قم وادخل المدينة، فيقال لك ماذا ينبغي أن تفعل.

وذكر أن يسوع منحه حينئذ منصب الرسالة، وقد أضاف في رسالته أن عيسى هو ابن الله، وأن الله أرسل ابنه الوحيد ليخلص البشرية من خطيئة آدم، وبعد ذلك انتقل بولس إلى أورشليم القدس، وحاول أن يرافق الحواريين، غير أنهم أوجسوا منه خيفة لأفكاره الغريبة، ولماضيه المحمل بآلام النصارى وتعذيبهم، فما كانوا يصدقون أنه قد تنصر، فأخذه برنابا وقربه منهم حتى خرجوا جميعا يكرزون بديانتهم في أنحاء البلدة، وبعد ذلك كما يزعمون وقع اختيار الروح القدس بحسب رواية سفر الأعمال على بولس وبرنابا للتبشير بين الأمم، فذهبا إلى قبرص ثم أنطاكية، ثم إلى سوريا، ثم عادا إلى أنطاكية فحدثت بينهما مشاجرة أدت إلى افتراقهما.

وبعد ذلك خرج بولس في رحلة تبشيرية عام 55م إلى بلاد اليونان، وإفسوس من أسيا الصغرى ثم عاد إلى أورشليم، وكان خلال رحلته ينشئ الكنائس، ويكتب الرسائل، ويلقي الخطب والمواعظ حتى كانت رسائله أول ما كتب من العهد الجديد، وهي أساس اعتقاد النصارى بما اشتملت عليه من مبادئ في الاعتقاد بإلوهية المسيح وصلبه.

وهنا يتعجب العاقل ويسأل: كيف يتحول رجل من الكفر بديانة أو عقيدة إلى شدة الاعتقاد فيها كطفرة دون سابق تمهيد؟ فقد يحدث أن يتحول أحدهم من الكفر إلى الإيمان، فلذلك حالات كثيرة في مختلف الديانات، ولكن من الكفر الشديد إلى الدعوة إلى الدين الذي ناوأه وعاداه ثم الزعم بأنه رسول يوحى إليه أيضا! فهذه طفرة شديدة تحتاج إلى تفسير معقول، فلم يُعهد ذلك في أنبياء الله أو رسل العهد القديم، فالمعروف أن الرسل يجب أن تكون لهم مقدمات وعلامات وإعدادات لتقبل الوحي، وإذا لم يكن للرسالة إرهاصات قبل تلقيها، فلا يكون قبلها ما ينافيها ويناقضها.